يوسف المرعشلي
583
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
المكرّمة ، وبعد أن قضى الحج ، رحل عن طريق البحر إلى الهند ، ومن ثمّ إلى مسقط ، ثم عاد إلى دياره ، وقد لقي في رحلته هذه علماء هذه البلاد وفضلاءها . ( * * ) أخلاقه وصفاته : كان يضرب به المثل في حسن الخلق ، فقد جمع التواضع والنزاهة والصيانة ، والاستقامة في الدين ، وكان يسعى في قضاء حوائج الناس ، سمحا كريما ، كثير الحياء ، عظيم الوفاء ، محبّا للمساكين ، كثير العبادة ، ومجلسه عامر بأهل العلم والصلاح ، يقضي معظم يومه معلّما للناس واعظا لهم ، حلّالا لمشاكلهم ، مفتيا لهم في قضاياهم ، يعود المرضى ، ويهنىء ويعزّي ، لا ثعرف الملل والكسل ، لم يضع ساعة من عمره في لهو أو عبث ، له مواقف مشهودة في الأعمال الخيرية ، موصوفا باللطافة والمزاح المعقول . ( * * ) وظائفه ومناصبه : تولّى الإمامة والخطابة في مسجد البدر الذي أسّسه ناصر بن يوسف البدر ، وكان أول من وليه حين افتتاحه سنة 1315 ه ، وكان سكنه ملاصقا للمسجد ، ثم تولى القضاء الذي كان متسلسلا في آل العدساني ، فلما توفي آخرهم الشيخ عبد اللّه بن خالد سنة 1348 ه أسند إليه رغم تمنّعه ، إذ لم يكن يوجد له نظير فاضطر لقبوله ، وكان مثالا للعفّة والنزاهة والعدل ، احتسب عمله فيه دون أن يأخذ عليه أجرا ، واشترط أن يكون فيه نائبا حتّى يجد الناس غيره ، وكان يسأل اللّه أن يعفيه منه ويشعر بثقله ، فلم تطل مدّة قضائه سنتين ، حتى توفاه اللّه سنة 1349 ه . وقد أثنى عليه كثير من أهل العلم وذكروا أوصافه الحميدة وخصاله الكريمة ، وعلمه وأدبه ، وكانت مجالسه عامرة بالعلم والتدريس والوعظ والإرشاد ، درّس الحديث والفقه الحنبلي والتفسير ، فكان يقرئ « تفسير ابن كثير » في الصباح ، ثم يعقب ذلك بقراءة « صحيح البخاري » مع شرحه « فتح الباري » للحافظ ابن حجر العسقلاني ، وكان يقرأ بين المغرب والعشاء في فنون متعدّدة . كلّما أنهى قراءة كتاب شرع في قراءة كتاب آخر ، فقد درّس « دليل الطالب » لمرعي الكرمي ، في الفقه الحنبلي ، وكذلك « زاد المستقنع » و « الروض المربع » وغير ذلك من كتب المذهب . ( * * ) تلاميذه : انتفع به خلق كثير منهم : الشيخ يوسف بن عيسى القناعي ( ت 1393 ه ) ، والشيخ المؤرّخ عبد العزيز بن أحمد الرشيد ( ت 1357 ه ) صاحب كتاب « تاريخ الكويت » ، والشيخ يوسف بن حمود ( ت 1365 ه ) ، والشيخ محمد بن جنيدل ( ت 1342 ه ) ، والشيخ عبد العزيز بن حمد بن عبد اللطيف آل مبارك ، ومحمد بن عبد اللّه السبيّل ( ت 1336 ه ) ، وسعود محمد الزيد ( ت 1385 ه ) ، ومحمد إبراهيم الشايجي ، وأحمد الخميس الخلف ، والشيخ عبد الوهاب العبد اللّه الفارس ( ت 1395 ه ) إمام مسجد الفهد ، والشيخ الداعية عبد الرحمن بن محمد الدوسري ( ت 1399 ه ) ، والشيخ عبد اللّه محمد النوري ( ت 1401 ه ) ، والشيخ عبد الوهّاب عبد الرحمن محمد الفارسي ، وحسن جار اللّه الجار اللّه ، ومحمد بن مطر ، وعبد العزيز العنجري ، وعبد الرحمن الدعيج ، ومحمد عبد المحسن الدعيج ، وعبد الرحمن العبيدان ، والعلامة محمد بن سليمان بن عبد اللّه الجراح ، والأديب إبراهيم بن سليمان الجرّاح . ( * * ) مكتبته : كان الشيخ حريصا على اقتناء الكتب المخطوطة والمطبوعة ، يوصي عليها المسافرين إلى الشام ومصر وبغداد ونجد ، حتى صارت مكتبته من أنفس المكتبات ، وكان له وكلاء في بريدة وعنيزة وأشيقر ، والمجمعة ، يحرصون على شرائها له ولو بغالي الأثمان ، ويستنسخون له المخطوطات . وقد آلت هذه المكتبة بعد وفاة الشيخ إلى ابن أخته الشيخ أحمد الخميس ، وبعد وفاته أهدى ورثته المخطوطات إلى مكتبة الأوقاف الكويتية سنة 1397 ه ، وبقيت المطبوعات عندهم ، وقد ضاع كثير من المخطوطات أثناء نقلها ، وبعضها مما بقي أكلته الأرضة مما يؤسف له . ( * * ) وفاته : أصيب الشيخ بمرض ذات الجنب في الخامس والعشرين من رمضان من يوم الجمعة سنة 1349 ه ، وانتقل إلى رحمة اللّه تعالى عن عمر يناهر 57 عاما قضاها في العلم والتعليم ، والإفادة والعبادة ، وأصيبت الكويت والعالم الإسلامي بوفاة هذا العالم الجليل .